كم منا تود أن ترى نفسها في المرآة بالصورة التي
قد رسمت ملامحها في خيالها ..
إنها حالة قد تقع فيها بعض الإناث ..
حالة تقتحمهن ..
حالة تخطف واحدة منهن من دنيا الواقع إلى حياة الخيال في فترة من الفترات
عندما تود أن تتحول إلى ملكة جمال العالم .. ويتغير جمال وجهها وجسدها مائة
وثمانين درجة ..
ويصبح وجهها صافياً مشرقاً يشع منه البشاشة والنور ..
لا ترى فيه سوى الإبتسامة .. ولا تشعر برؤيته إلا بالراحة ..
تقترب منه كي تستمتع بالهدوووء ..
تنظر إليه كي تسترخي وتذوب .. وتذوب همومك ومشاكلك والأفكار السلبية
السيئة التي يحويها عقلك ..
وجهاً يهواه جميع رجال العالم ..
ويغار برؤيته نساء الكرة الأرضية بأكملها ..
وجهاً تشتاق لرؤيته .. مبتسماً وغاضباً
حزيناً
ومسروراً
هادئاً
وثائراً
وجهاً رائعاً ..
تود أن تمتلك وجهاً رائعاً ..
ليس وجهاً رائعاً فقط .. بل أيضاً جسداً ..
جسداً منيراً مشتعلاً ملتهباً ..
يرجمك أسهماً من اللهيب المحترق إذا إقتربت منه ..
فتحترق منذ اللحظة الأولى من ملامستك إياه ..
جسداً ناعماً أبيضاً نقياً ..
يخلو من الخشونة والجفاف ..
يحلو بالمرونة واللياقة ..
يتميز بكونه ناصع البياض .. فنقاء اللون الأبيض الذي يتميز به كنقاء بياض
البدر في إحدى الليالي التي يكون فيها القمر مكتملاً ..
يُحَلَّى بخلوه من المتعرجات .. فهو سليماً كاملاً متكاملاً يخلو من
الأمراض والعيوب وأي نقص يحتاج إلى إكتمال ..
جسداً لايهوى شيئاً سوى إثارة من يقترب منه او يراه ..
لا يفعل شيئاً سوى أن يجذب من وقعت عينيه عليه لملامسته او مداعبته او
مغازلته او محاولة الإقتراب منه ..
جسداً له القدرة على جذب المئات في لحظة واحدة .. دون أن يبذل جهداً او
يلتوي او يتمايل او يرقص كطريقة للجذب ولفت الإنتباه .. بل يستطيع أن يجذب المئات
في لحظة واحدة .. فقط بقبوله لجعل هؤلاء يروه ..
جسداً يثير غضبك إذا لم تقوى عليه ..
ويقتل كبريائك لحاجتك إليه دائماً ..
ويتصارع معك بليونته أمام شدتك .. بحلاوته وجماله في مواجهة إحتياج عينيك
..
يستسلم لك فتذوق حلاوته ..
يرضخ لما تأمر إذا توددت إليه ..
يبتسم ويضحك إذا داعبته بحنان ..
يغضب ويحزن إذا جفوت عليه ..
جسد رائع ..
تتمنى أن تمتلك جسداً رائعاً ..
إنها الأنثى التي رأت نفسها في المرآة .. فأغمضت عينيها وتخيلت جسدها
ووجهها بالصورة التي قد رسمت ملامحها في خيالها ..
إنها الأنثى التي إستهزأت بوجهها وشتمته وسبته .. فهي الآن لم تعد تريده
ولا تستطع أن تنظر إليه وتصفه بالجمال ولو على سبيل "المجامله" ..
إنها الأنثى التي إحتقرت جسدها وغضبت منه .. لم ينال إعجابها .. ولم يرضخ
لطلبها .. ألا وهو "جذب حبيبها إليها" ..
حبيبها الذي إنتظرته طويلاً لساعات وأيام وشهور وسنوات حتى أصبح عمرها
الثلاثين .. وتهدمت حوائط الثقة بداخلها .. ونظرت إلى الأرض خاضعة مذلولة وكأنها
إرتكبت فعلاً قبيحاً وجرماً فظيعاً .. وتحاسب عليه بأن تقتل كرامتها وتسمع كلام
والديها بأن لاتسيء لمن أساء إليها ووجه لها كلاماً جارحاً لا تقوى على سماعه ..
فهي من وجهة نظرهم "خاطئة .. قاصرة .. ضعيفة الشخصية .. ستعيش مذلولة بقية
حياتها .. سينظر لها الناس بشفقة وإحتقار .. ستحيا تعيسة .. "
يراها والدها البنت الضعيفة التي ستبقى معه طوال عمرها ..
وتراها والدتها البنت "العانس" التي لم تتزوج وعمرها تعدى
الثلاثين ..
ويراها مجتمعها البنت المصرية المخطئة .. رغم أن الخطأ ليس خطأها .. وهي
لا علاقة لها به .. ولا تربطها به أية صلة ..
والحقيقة أن الخطأ هو خطأ المجتمع فقط ..
المجتمع هو من أخطأ .. وهي من تنال نتيجة ما إقترفه من ذنب .. وجميع من حولها قضاه
يحاسبونها .. ولا تقصير في هذه القضية .. القضية التي تحولت فيها المجني عليها إلى
مجرمة ..
هذه المسكينة الضحية التي نزفت دموعاً كثيرة
فتشقق خدها وجَفَّت بشرتها وقُتلت كرامتها وضاعت ثقتها بنفسها وكأنها لم يكن لها
وجود ..
أخطاء إقترفها المجتمع في حق الكثيرات من
النساء ..
أشباح خلقها المجتمع تطار حواء أينما كانت
..
منها ذلك الشبح المرعب الذي يطاردها وهي
فتاة بكر مهما كان عمرها ..
إنه شبح العنوسة ..
الشبح الذي لن تقوى على مواجهته وحدها أبدا
.. وهي دائماً ستطل وحدها .. فالجميع ضدها .. المجتمع ضدها .. والذكور والإناث
اللاتي تزوجن والأقارب والأصدقاء والكبار والصغار ضدها .. وهي وحدها .. والغلبة
للأكثرية ..
المجتمع ضدها بإقترافه ذنب عميق .. ألا وهو
الإقتناع والتصديق بأن العنوسة جرم فاضح .. والثبيت والتأييد لهذه الفكرة ..
والذكور ضدها بإستغلال قوانين المجتمع
الظالمة الإستغلال الأمثل ..
فحينما يود ذكراً من الذكور الزواج .. يبحث
عن أنثى لم يمسها ذكراً آخر غيره .. ويكون عمرها دون الخامسة والعشرين رغم عمره
الذي تعدى الثالثة والثالثين .. وفي هذا الزواج يعاملها وكأنها لن تقوى على الرحيل .. ويستغل هذه
الفكرة أسوأ إستغلال .. فهي لن ترحل لكونها خائفة من شبخ آخر مماثل لشبح
"العنوسة" ألا وهو "الطلاق" ..
الأنثى تبقى خائفة قبل الزواج وهي بكر من شبح "العنوسة" ..
وتبقى خائفة بعد الزواج وهي ثيب من شبح "الطلاق" ..
والمجتمع هو المخطأ .. والذكور يستغلون أخطائه ..
والإناث اللاتي تزوجن ضدها .. فكل واحدة منهن تظن نفسها قد لعبت
دوراً كبيراً في زواجها .. وأنها سعيدة لكونها تشارك رجل في حياته .. لكنهن لم
ينظرن إلى المساويء التي ظهرت في طريقهن الجديد "عقب الزواج" .. لذا فهم
يقفوا ضد كل أنثى لم تتزوج .. ويلوموها ويعتبرونها مخطئة وعليها وحدها أن تتحمل ما
فعلته من خطأ وما إقترفته من ذنب ..
والأقارب والأصدقاء والكبار والصغار ضدها .. وهي وحدها .. والغلبة
للأكثرية ..
أنحني لكي أيتها الأنثى العانس ..
وأنحني لكي أيتها الأنثى المطلقة ..
فأنتما قد تحملتما عواقب جرم إقترفه غيركما ..
..
..
محمد احمد جعفر
